الشنقيطي

238

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ولعل الأول أرجح هذه الثلاثة ، لأن إخراج كنوزها سيكون قبل النفخة ، والتحدث بالأعمال منصوص عليه بذاته ، فليس هو الأثقال . ورجحوا القول الأول لقوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً [ المرسلات : 25 - 26 ] . وقالوا : الإنس والجن ثقلان على ظهرها ، فهما ثقل عليها ، وفي بطنها فهم ثقل فيها ، ولذا سميا بالثقلين . قال الفخر الرازي وابن جرير . وروي عن ابن عباس : أنه موتاها . وشبيه بذلك قوله : وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ [ الانشقاق : 3 - 4 ] ، ولا يبعد أن يكون الجميع إذا راعينا صيغة الجمع أثقالها ، ولم يقل ثقلها وإرادة الجمع مروية أيضا عن ابن عباس . ذكره الألوسي ، وابن جرير « 1 » عنه وعن مجاهد . وحكى الشيخ رحمه اللّه تعالى علينا وعليه القولين في إملائه : أي موتاها ، وقيل : كنوزها وقوله تعالى : وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ، لفظ الإنسان هنا عام وظاهره أن كل إنسان يقول ذلك ، ولكن جاء ما يدل على أن الذي يقول ذلك هو الكافر . أما المؤمن فيقول : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ يس : 52 ] ، وذلك في قوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ يس : 51 - 52 ] . فالكافر يدعو بالويل والمؤمن يطمئن للوعد ، ومما يدل على أن الجواب من المؤمنين ، لا من الملائكة ، كما يقول بعض الناس ، ما جاء في آخر السياق قوله : فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ - أي كلا الفريقين - لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [ يس : 53 ] . وقوله : ما لَها سؤال استيضاح ، وذهول من هول ما يشاهد . وقوله : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ( 4 ) ، التحديث هنا صريح في الحديث وهو على حقيقته ، لأن في ذلك اليوم تتغير أوضاع كل شيء وتظهر حقائق كل شيء ، وكما أنطق اللّه الجلود ينطق الأرض ، فتحدث بأخبارها ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 21 ] ، وتقدم تفصيل ذلك عند أول سورة الحشر ، لأن اللّه

--> ( 1 ) جامع البيان 30 / 171 ، 172 .